الجمعة 16 يناير 2026 03:35 صـ 27 رجب 1447 هـ
×

القهوة السعودية في الحدود الشمالية.. إرث اجتماعي يعكس روح الضيافة وأصالة المجالس

الخميس 25 ديسمبر 2025 06:09 مـ 5 رجب 1447 هـ
القهوة السعودية
القهوة السعودية

ما من شكٍ في أن القهوة السعودية في منطقة الحدود الشمالية تمثّل أحد أبرز المظاهر الاجتماعية المتوارثة؛ إذ تحضر بطابعها الشمالي المميّز في المجالس والمخيمات و«الشَبّات» بوصفها رمزًا أصيلًا للضيافة ووسيلة للتلاقي والتواصل بين الأهالي، فضلًا عن كونها عنصرًا أساسيًا في تفاصيل الحياة اليومية التي تجمع بين الأصالة والحميمية.

وتتجلى مكانة القهوة السعودية في الحدود الشمالية من خلال ارتباطها الوثيق بالعادات الاجتماعية، حيث لا تكاد تخلو المجالس من حضورها، سواء في اللقاءات العائلية أو في تجمعات الأصدقاء، ما يعكس عمق هذا التقليد في الوجدان الشعبي وامتداده عبر الأجيال.

وفي هذا السياق، تؤدي القهوة دورًا يتجاوز كونها مشروبًا تقليديًا، لتصبح لغة ترحيب غير مكتوبة، وبوابة للحوار وتبادل الأحاديث، وهو ما يمنحها قيمة اجتماعية وثقافية راسخة في مجتمع المنطقة.

مذاق مميّز ونكهة مرتبطة بالبيئة

وتتميّز القهوة الشمالية بلونها الغامق ومذاقها القوي؛ حيث تُحضّر عادةً بإضافة كميات وافرة من الهيل، إلى جانب الزعفران أو القرنفل، وأحيانًا الزنجبيل، الأمر الذي يمنحها طابعًا خاصًا يميزها عن غيرها من أنواع القهوة السعودية.

كما تُغلى القهوة في «الركوة» على نار الحطب، وهي طريقة تقليدية متوارثة تضفي عليها نكهة فريدة ارتبطت ببيئة البادية، وأسهمت في ترسيخ هذا الأسلوب بوصفه جزءًا لا يتجزأ من هوية المنطقة.

ومن ثم، أصبحت رائحة القهوة وطريقة إعدادها مؤشرات أساسية على جودتها؛ حيث يحرص الأهالي على الالتزام بالتفاصيل الدقيقة التي تعكس خبرتهم واعتزازهم بهذا الموروث الشعبي.

«الشَبّات» فضاء للتلاقي والسمر

وتنتشر ما يُعرف بـ«الشَبّات» في المخيمات البرية وعلى أطراف المدن؛ حيث يجتمع أفراد العائلة والأصدقاء حول شبة النار للدفء وتبادل الأحاديث والقصص، فيما تحضر القهوة السعودية بشكل أساسي وتُقدَّم في جلسات السمر وفي مختلف الأوقات.

ويقول أحد كبار السن في مدينة عرعر، محمد إبراهيم الزمام: «القهوة بالنسبة لنا ليست ضيافة فقط، بل مقدّمة الحديث ورمزًا للترحيب، ونحرص على إتقان إعدادها لما تحمله من احترام للضيف واعتزاز بالتراث»، في إشارة واضحة إلى عمق دلالتها الاجتماعية.

ومن جانبه، أوضح أحد المهتمين بتراث الشمال، فهد الصقري، أن القهوة أصبحت تقليدًا يوميًا في المجالس، مؤكدًا أن وجودها في اجتماع «الشَبّات» عنصرًا أساسيًا لا تكتمل الجلسة دونه.

توارث العادات وحرص على الجودة

ويحرص أهالي الحدود الشمالية على اقتناء أجود أنواع البن، إدراكًا منهم لأهمية الجودة في الحفاظ على المذاق الأصيل للقهوة السعودية، وهو ما يعكس مستوى العناية بهذا التقليد العريق.

وفي الوقت نفسه، يختلف تحضير القهوة بين الأسر بحسب الذوق والعادات، الأمر الذي أوجد تنوعًا في الأساليب مع الحفاظ على الإطار العام للقهوة الشمالية بطابعها المعروف.

كما توارثت بعض العائلات طرق إعداد القهوة عبر أجيال متعاقبة، ليبقى هذا الإرث حيًا ومتجددًا، ويُستدل على جودته من رائحته ومذاقه ولونه، في صورة تجسّد أصالة القهوة السعودية في منطقة الحدود الشمالية.