جولة الفنون الجدارية في البلدة القديمة بالعُلا.. تجربة ثقافية توثّق الذاكرة البصرية للمكان
تُقدّم جولة «الفنون الجدارية» في البلدة القديمة بمحافظة العُلا تجربة ثقافية ومعرفية متكاملة، تأخذ الزوّار في رحلة استكشافية بين البيوت الطينية الملوّنة، ولوحاتها الجدارية التي تعكس ملامح من التقاليد الفنية العريقة، وتوثّق تفاصيل الحياة الاجتماعية التي عاشها أهالي العُلا عبر عقودٍ متعاقبة. وتأتي هذه الجولة بوصفها نافذة حيّة على تاريخ بصري غني، يربط بين الفن والذاكرة والمكان في آنٍ واحد.
وتُبرز الجولة، من خلال مسارها داخل أزقة البلدة القديمة، القيمة الجمالية للجداريات المرسومة على جدران المنازل، حيث تتكامل الألوان والرموز لتشكّل مشهدًا بصريًا يعكس عمق التجربة الإنسانية لسكان العُلا. وفي هذا السياق، لا تقتصر التجربة على المشاهدة فقط، بل تمتد لتشمل الفهم والتحليل، بما يمنح الزائر إدراكًا أعمق لدلالات هذه الأعمال الفنية.
ومن ثمّ، تُعد جولة «الفنون الجدارية» تجربة ثقافية تستند إلى السرد والمعرفة، وتفتح المجال أمام الزوّار للتفاعل مع تاريخ المكان، بما يعزّز حضور البلدة القديمة كفضاء ثقافي حي، تتقاطع فيه الذاكرة الشعبية مع الإبداع الفني المتوارث.
راوٍ محلي يشرح الرموز ودلالاتها
وتنطلق الجولة برفقة راوٍ محلي ومرشد مختص يتحدث اللغتين العربية والإنجليزية، حيث يتعرّف المشاركون على الرموز والرسوم التي كانت تُزيّن جدران المنازل. ويقدّم الراوي شروحات تفصيلية تسهم في توضيح الخلفيات الثقافية والاجتماعية لهذه الجداريات، بما يثري تجربة الزائر معرفيًا.
وفي هذا الإطار، توضّح الجولة أن هذه الرسوم لم تكن مجرّد عناصر جمالية، بل شكّلت وسيلة للتعبير والتوثيق الثقافي، إذ عكست مناسبات المجتمع اليومية، من تفاصيل الأعراس، إلى مظاهر الحياة الاجتماعية، والنقوش المستوحاة من البيئة المحيطة. وبذلك، تتحول الجداريات إلى لغة بصرية تنقل قصص الماضي وتفاصيله.
وعلاوة على ذلك، يتيح وجود المرشد المختص فرصة للتفاعل المباشر وطرح الأسئلة، ما يعزّز من فهم الزائر لطبيعة هذه الفنون ودورها في تشكيل هوية المجتمع المحلي، ويمنح الجولة بعدًا تعليميًا وسرديًا متكاملًا.
الفنون الجدارية سجل بصري للذاكرة
وتسلّط الجولة الضوء على البعد الإنساني للفنون الجدارية، بوصفها سجلًا بصريًا يحفظ ذاكرة المكان، ويجسّد ارتباط الإنسان ببيئته وهويته الثقافية. فكل لوحة جدارية تحمل في طياتها قصة، وكل رمز يعكس تجربة إنسانية عاشت في هذه البيوت الطينية.
وفي السياق نفسه، تُبرز الجولة الجهود المبذولة للحفاظ على هذه الجداريات الفنية، وصونها كجزءٍ من الموروث الثقافي غير المادي لمحافظة العُلا. ويأتي هذا الاهتمام تأكيدًا على أهمية حماية هذه الأعمال بوصفها عناصر أساسية في المشهد الثقافي المحلي.
ومن ثمّ، تسهم الجولة في تعزيز الوعي بقيمة الفنون الجدارية، ليس فقط كأعمال فنية، بل كوثائق تاريخية تحفظ ملامح الحياة الاجتماعية، وتربط الحاضر بالماضي في إطار بصري متكامل.
برنامج ثقافي يعزّز الوعي والإرث
وتأتي هذه الجولة ضمن البرامج الثقافية التي تهدف إلى تعزيز الوعي بالإرث الفني المحلي، وإتاحة الفرصة للزوّار لاكتشاف جماليات البلدة القديمة. وتجمع التجربة بين المعرفة والسرد التاريخي، بما يجعلها مناسبة لمختلف الفئات المهتمة بالثقافة والفنون.
وفي هذا الإطار، تتيح الجولة للزوّار التفاعل المباشر مع مكوّنات المكان، من خلال التجوال بين البيوت الطينية والوقوف عند الجداريات، ما يخلق تجربة حسية ومعرفية متكاملة تعكس روح العُلا وتاريخها.
وبذلك، تسهم جولة «الفنون الجدارية» في إبقاء هذه الأعمال حيّة في ذاكرة العُلا، لتظل مصدر إلهام للأجيال القادمة، وشاهدًا بصريًا على غنى الإرث الثقافي والفني الذي تزخر به البلدة القديمة.

