عبدالله القطان لـ «مجلة طموح»: الذكاء الاصطناعي لن يلغي المستشار.. والقيمة في الخبرة والحكم المهني
تفرض التحولات المتسارعة في سوق الأعمال السعودي على الشركات والمستثمرين مواكبة أنظمة أكثر تطورًا، واتخاذ قرارات مدروسة تضمن الاستمرارية والنمو. ومع اتساع الفرص التي تتيحها المملكة، أصبحت الخبرة الاستشارية عاملًا مهمًا في مساعدة المنشآت على فهم السوق، وتجاوز التحديات، وتحويل الأفكار الاستثمارية إلى مشروعات ناجحة.
وفي مقابلة صحفية حصرية مع «مجلة طموح»، يكشف عبدالله القطان؛ مدير شركة بيت الاستشارات العربية لخدمات الأعمال، رؤيته لمستقبل قطاع الاستشارات وخدمات الأعمال في المملكة، متناولًا أبرز احتياجات المستثمرين ورواد الأعمال، وأهمية التخطيط والحوكمة والتحول الرقمي، إلى جانب الفرص التي يفتحها التطور المتسارع في بيئة الأعمال السعودية.
وإلى نص الحوار:
· لديك خلفية تجمع بين الهندسة والقانون وإدارة الأعمال، كيف ساهم هذا التنوع في تشكيل مسيرتك المهنية وطريقة تعاملك مع الشركات والمستثمرين؟
كل مجال من هذه المجالات أضاف لي طريقة مختلفة في التفكير. الهندسة علمتني أن أنظر إلى المشروع باعتباره منظومة مترابطة، لها مراحل تنفيذ ومخاطر ونتائج يمكن قياسها. أما القانون فعلمني قراءة الأنظمة، وتنظيم العلاقات، وحماية الحقوق قبل أن تتحول المشكلات إلى نزاعات. وجاءت خبرتي في إدارة الأعمال من الممارسة اليومية، من خلال إدارة الشركة والتعامل المباشر مع المستثمرين والشركاء والجهات المختلفة.
هذا التنوع جعلني لا أتعامل مع احتياجات العميل من زاوية واحدة. فقد يكون الحل سليمًا من الناحية القانونية، لكنه غير مناسب تجاريًا أو صعب التطبيق تشغيليًا. وفي المقابل، قد تكون الفرصة الاستثمارية جيدة، لكن هيكلها القانوني أو عقودها لا يوفران الحماية الكافية.
لذلك أحاول دائمًا الوصول إلى حل متوازن وقابل للتنفيذ، وليس مجرد رأي قانوني أو تصور نظري.
· تأسس بيت الاستشارات العربية لخدمات الأعمال عام 1994، وتوليت زمام إدارته عام 2012. كيف تصف رحلتك المهنية، وما أبرز التحولات التي شهدتها في بيئة الأعمال السعودية؟
بيت الاستشارات العربية لم يبدأ معي؛ فقد تأسس عام 1994، وتوليت زمام إدارته عام 2012. استلمت كيانًا له تاريخ وخبرة في السوق، وكان التحدي هو المحافظة على ما تم بناؤه، وفي الوقت نفسه تطوير طريقة العمل لتواكب التحولات الكبيرة التي بدأت تشهدها المملكة.
منذ عام 2012 وحتى اليوم، تغيرت بيئة الأعمال السعودية بشكل جذري. في السابق، كان جزء كبير من العمل يعتمد على معرفة الإجراءات ومتابعة المعاملات بصورة تقليدية. أما اليوم، فقد أصبحت البيئة أكثر تنظيمًا ورقمنة، وأصبح هناك ترابط أكبر بين المنصات الحكومية ووضوح أكبر في الإجراءات والالتزامات.
كما تغيرت طبيعة المستثمرين الذين يدخلون السوق السعودي. اليوم نرى شركات دولية لا تبحث فقط عن بيع منتجاتها في المملكة، بل عن تأسيس وجود فعلي، وبناء فرق محلية، والدخول في شراكات، ونقل المعرفة والاستثمار على المدى الطويل.
وتطور دور بيت الاستشارات العربية بالتوازي مع ذلك؛ من التركيز على إجراءات التأسيس والخدمات الحكومية إلى مرافقة المستثمر في رحلة دخول السوق كاملة، بداية من اختيار الهيكل والنشاط المناسبين، مرورًا بالتأسيس والعقود والحوكمة، ووصولًا إلى الدعم التشغيلي والامتثال وتطوير الأعمال بعد التأسيس.
تأسيس الشركة ليس هو المشروع
· من واقع خبرتك في مساعدة الشركات الأجنبية على دخول السوق السعودي، ما الذي يجب على المستثمر أن يفهمه عن السوق قبل أن يبدأ إجراءات التأسيس والتراخيص؟
أول ما أقوله للمستثمر هو أن تأسيس الشركة ليس هو المشروع، وإنما هو إحدى أدوات تنفيذ المشروع. الحصول على الترخيص والسجل التجاري مهم، لكنه لا يجيب عن الأسئلة الأساسية: من هو العميل؟ ما حجم الطلب؟ من هم المنافسون؟ كيف سيتم البيع؟ وكم تحتاج الشركة من السيولة حتى تبدأ بتحقيق إيرادات؟
كذلك يجب تحديد النشاط بدقة قبل بدء الإجراءات، لأن طبيعة النشاط تؤثر في نوع الترخيص والجهات المنظمة والمتطلبات النظامية ورأس المال ونسب التوطين، وقد تؤثر أحيانًا في الهيكل الاستثماري بالكامل.
السوق السعودي سوق كبير وواعد، لكنه ليس نسخة من أي سوق آخر. له خصوصيته التنظيمية والتجارية والثقافية، كما أن طريقة بناء العلاقات ودورات البيع واتخاذ القرار تختلف من قطاع إلى آخر.
لذلك يجب على المستثمر أن يدخل بناءً على دراسة وخطة تشغيل حقيقية، وليس فقط بناءً على حجم السوق أو الانطباعات العامة عنه.
· كثير من المستثمرين يركزون على تأسيس الشركة والحصول على التراخيص، لكن برأيك، ما الذي يحدد نجاح الشركة واستمرارها بعد التأسيس؟
التأسيس يمنح الشركة صفتها القانونية، لكنه لا يعني أنها أصبحت جاهزة للعمل. بعض الشركات تؤسس الكيان، وتعين مديرًا، وتصدر له الإقامة، ثم يغادر المدير المملكة، ويعتقد أصحاب الشركة أن وجود الترخيص والسجل التجاري وإقامة المدير يعني أن المشروع أصبح قائمًا ويمكن الانتظار إلى أن تأتي الفرص.
ما يتم تجاهله هنا هو أن الشركة تبدأ منذ تأسيسها بتحمل مصروفات شهرية والتزامات تشغيلية ونظامية دورية، مثل الرواتب، والمقر، والمحاسبة، والتأمينات، والمنصات الحكومية، وتجديد التراخيص، والإقرارات والالتزامات الضريبية والزكوية، سواء حققت إيرادات أم لم تحقق.
كذلك لا يمكن فهم السوق السعودي أو بناء العلاقات والوصول إلى العملاء من الخارج فقط. وجود المدير أو الفريق داخل المملكة ليس إجراءً شكليًا، بل جزء أساسي من دراسة السوق ومتابعة الفرص وبناء شبكة العملاء وتطوير النشاط.
واجهنا حالات كثيرة لشركات استكملت التأسيس وأصدرت إقامة للمدير، لكنها لم تبدأ تشغيلًا فعليًا. وبعد فترة تراكمت عليها الالتزامات وعادت إلينا وهي ترغب في إغلاق الشركة قبل أن تكون قد اختبرت السوق بصورة حقيقية.
لذلك أرى أن نجاح الشركة يبدأ من وجود خطة تشغيل واضحة، وإدارة موجودة فعليًا في المملكة، وميزانية تغطي المرحلة الأولى، وفريق قادر على البيع والتنفيذ والمتابعة.
أخطاء تقع فيها الشركات الأجنبية
· ما أبرز الأخطاء التي ترى أن الشركات الأجنبية ورواد الأعمال يقعون فيها عند دخول السوق السعودي، وكيف يمكن تجنبها؟
من أبرز الأخطاء التعامل مع تأسيس الشركة باعتباره هدفًا بحد ذاته. بعض المستثمرين يعتقد أن إصدار الترخيص والسجل التجاري وإقامة المدير يعني أن الشركة أصبحت جاهزة، ثم يسافر المدير ولا يكون هناك وجود فعلي أو نشاط مستمر داخل المملكة.
خلال هذه الفترة تستمر الالتزامات المالية والنظامية في التراكم، بينما لا توجد مبيعات أو متابعة للسوق أو علاقات حقيقية مع العملاء. وبعد عدة أشهر تكتشف الشركة أن تكلفة استمرار الكيان أصبحت أعلى من قدرتها على تحمله، فتبدأ التفكير في الإغلاق.
ومن الأخطاء أيضًا البدء في التأسيس قبل تحديد النشاط والهيكل وخطة التشغيل بدقة، أو نقل نموذج عمل من دولة أخرى وتطبيقه كما هو، أو التقليل من الوقت والسيولة اللازمين للوصول إلى أول عقد وتحقيق الإيرادات.
كذلك قد يتم اختيار مدير لمجرد استكمال الإجراءات، من دون منحه مسؤوليات واضحة أو ميزانية أو صلاحيات أو خطة عمل. المدير ليس اسمًا يضاف إلى السجل التجاري، بل يجب أن يكون مسؤولًا عن قيادة النشاط ومتابعة السوق وبناء العلاقات وتحقيق أهداف محددة.
يمكن تجنب هذه الأخطاء من خلال إعداد خطة دخول وتشغيل قبل التأسيس، وتحديد ميزانية السنة الأولى، وتعيين إدارة موجودة فعليًا في المملكة، ومتابعة الالتزامات منذ اليوم الأول، ووضع مؤشرات واضحة لقياس المبيعات والتقدم في السوق.
العلاقات المحلية مهمة في أي سوق
· إلى أي مدى أصبحت الشراكات والعلاقات المحلية والحوكمة عوامل أساسية لنجاح الشركات، خصوصًا الشركات الأجنبية في المملكة؟
العلاقات المحلية مهمة في أي سوق، وفي السوق السعودي يمكن للشريك المحلي الجيد أن يختصر كثيرًا من الوقت من خلال معرفته بالعملاء وطبيعة التعاقد وطريقة تنفيذ الأعمال. لكن العلاقة المحلية لا يمكن أن تكون بديلًا عن جودة المنتج أو القدرة على التنفيذ أو الالتزام بالأنظمة.
كما يجب التفريق بين العلاقة التجارية والشراكة في الملكية. ليس كل شخص يستطيع الوصول إلى عميل مناسبًا ليكون شريكًا في الشركة، وليس كل شريك في الملكية قادرًا بالضرورة على تطوير الأعمال.
القيمة الحقيقية للشراكة يجب أن تكون واضحة: ماذا سيقدم كل طرف؟ ما مسؤولياته؟ وما النتائج المتوقعة منه؟
هنا تأتي أهمية الحوكمة. الثقة ضرورية لبدء العلاقة، لكن استمرارها يحتاج إلى أدوار وصلاحيات وأهداف وآلية واضحة لاتخاذ القرار ومتابعة الأداء. الحوكمة لا تعني تعقيد العمل، وإنما تعني أن يعرف كل طرف ما له وما عليه منذ البداية.
كيف تحمي الشركات مصالحها؟
· بحكم خبرتك القانونية والتجارية، كيف يمكن للشركات حماية مصالحها وتنظيم علاقتها مع الشركاء من خلال العقود والحوكمة منذ البداية؟
العقد الجيد لا يُكتب عند ظهور الخلاف، وإنما في بداية العلاقة، عندما تكون المصالح متوافقة ويكون النقاش أكثر هدوءًا. لذلك لا ينبغي أن يقتصر عقد الشراكة على نسب الملكية وتوزيع الأرباح فقط.
يجب أن يوضح العقد من يدير الشركة، ومن يملك صلاحية التوقيع، وكيف يتم تمويل النشاط، وما القرارات التي تحتاج إلى موافقة الشركاء، وكيف تتم معالجة حالات التعثر أو اختلاف وجهات النظر.
كذلك يجب تنظيم مسائل السرية، والملكية الفكرية، وتعارض المصالح، وعدم المنافسة، وتوزيع الأرباح، وتقييم الحصص، ودخول شريك جديد، وخروج أحد الشركاء، وآلية تسوية النزاعات.
ومن المهم أن تكون اتفاقية الشركاء متوافقة مع عقد التأسيس والصلاحيات المسجلة لدى الجهات الحكومية والبنوك. كثير من المشكلات لا تحدث بسبب عدم وجود عقد، بل بسبب وجود عقد عام أو غير متوافق مع الهيكل الفعلي للشركة.
· من خلال عملك مع رواد الأعمال والحاضنات والمسرعات، ما أبرز الفجوات التي ترى أنها ما زالت موجودة في منظومة ريادة الأعمال، وما الذي تحتاجه الشركات الناشئة للنمو والتوسع؟
منظومة ريادة الأعمال في المملكة تطورت بصورة كبيرة، لكن ما زالت هناك فجوة بين امتلاك فكرة جيدة وتحويلها إلى شركة قادرة على الاستمرار.
كثير من رواد الأعمال يجيدون تقديم الفكرة وإعداد العرض الاستثماري، لكنهم يحتاجون إلى خبرة أكبر في المبيعات والتسعير وإدارة التدفقات النقدية وبناء الفريق والعقود والحوكمة.
كما أن بعض برامج الدعم تركز على التدريب والفعاليات ويوم العرض، بينما تبدأ التحديات الحقيقية بعد ذلك. رائد الأعمال يحتاج إلى الوصول إلى عميل فعلي، وإرشاد تشغيلي مستمر، وربط مع الشركات الكبرى والمستثمرين المناسبين، ومساعدة عملية في اتخاذ القرارات الصعبة.
الشركات الناشئة لا تحتاج إلى التمويل فقط، بل تحتاج إلى رأس مال ذكي، ومستشارين لديهم خبرة تنفيذية، ووصول حقيقي إلى السوق. وفي كثير من الحالات، يكون أول عقد تجاري ناجح أهم للشركة من الفوز في عدد من المسابقات.
طريقة عمل الشركات مع الذكاء الاصطناعي
· مع تسارع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، كيف تتوقع أن تتغير طريقة عمل الشركات والاستشارات وتطوير الأعمال في السعودية خلال السنوات القادمة؟
الذكاء الاصطناعي سيغير جزءًا كبيرًا من الأعمال المتكررة، مثل جمع المعلومات، وتحليل البيانات، وإعداد المسودات الأولية، ومراجعة المستندات، وخدمة العملاء ومتابعة الإجراءات.
هذا سيجعل الوصول إلى المعلومات أسرع، لكنه لن يلغي الحاجة إلى الخبرة والحكم المهني. دور المستشار سيتحول تدريجيًا من تقديم المعلومة إلى مساعدة العميل على فهمها، واختيار القرار المناسب، ثم تنفيذه.
المعلومة قد تصبح متاحة للجميع، لكن معرفة ما ينطبق على حالة كل شركة، وما المخاطر المرتبطة به، وكيف يتم الربط بين النظام والتشغيل والسوق، ستبقى هي القيمة الحقيقية للاستشارة.
وفي المقابل، لا يكفي شراء أدوات الذكاء الاصطناعي وإضافتها إلى إجراءات غير منظمة. الشركات التي ستستفيد فعليًا هي التي تنظم بياناتها، وتعيد تصميم إجراءاتها، وتدرب موظفيها، وتحافظ على أمن المعلومات وخصوصيتها، ثم تستخدم التقنية لتسريع العمل وتحسين جودة القرار.
· بعد أكثر من عقد في مجال الأعمال والاستشارات، كيف ترى مستقبل الاستثمار وريادة الأعمال في السعودية، وما رسالتك للمستثمر الأجنبي ورائد الأعمال السعودي الذي يستعد لخوض هذه المرحلة الجديدة؟
أنا متفائل بمستقبل الاستثمار وريادة الأعمال في السعودية، لكن هذا لا يعني أن السوق سهل أو أن النجاح مضمون. الفرص أصبحت أكبر، وفي المقابل أصبحت المنافسة أعلى، والأنظمة أكثر تنظيمًا، وتوقعات العملاء والمستثمرين أكثر نضجًا.
الشركات التي ستنجح هي التي تقدم قيمة حقيقية، وتبني وجودًا محليًا، وتلتزم بالأنظمة، وتستثمر في فريقها، وتتعامل مع المملكة باعتبارها سوقًا استراتيجيًا طويل الأمد.
رسالتي للمستثمر الأجنبي أن يدخل المملكة بعقلية بناء الأعمال، وليس بعقلية البيع من الخارج فقط. عليه أن يفهم السوق، ويخصص الوقت والموارد اللازمة، ويبني فريقًا محليًا، ويهتم بالامتثال ونقل المعرفة وتطوير علاقاته داخل المملكة.
أما رائد الأعمال السعودي، فرسالتي له ألا يبدأ من فكرة رائجة فقط، بل من مشكلة حقيقية يستطيع حلها. وعليه أن يهتم بالإدارة المالية والعقود والحوكمة من البداية، لا بعد أن تكبر الشركة أو يدخل المستثمرون.
الفرص الموجودة اليوم كبيرة، لكن الفارق سيكون دائمًا في الاستعداد والانضباط والوجود الفعلي والقدرة على التنفيذ والاستمرار.













